utf-8
منبر التوحيد و الجهاد - طباعة مادة
منبر التوحيد و الجهاد  منتدى الأسئلة    التصنيف الموضوعي للأسئلة مسائل الإيمان و الكفر  هل يجوز التحاكم إلي القوانين الوضعية في حال الظلم ؟


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مشايخنا الأفاضل شيخنا الشنقيطي أسأل الله أن يحفظكم جميعا .وبعد

لو أن إنسان ظلم كمن اعتقلته الحكومة المرتدة أو كمن أخذت أرضه أو أخذ ماله فهل يجوز له بالنسبة لمن اعتقل أن يجعل محاميا يذهب إلي المحكمة ويقدم مستندات عن المعتقل يثبت بها أنه مظلوم وبناء علي هذا ينظر القاضي -القانوني الكافر-في المستندات ويحكم للمعتقل بالبراءة لأنه لا يوجد قانونيا ما يدينه وبناء عليه سيفرج عنه من قبل القسم أو الضابط الذي اعتقله أو سيرده إلي المعتقل مرة أخري بجواب اعتقال جديد وهذا هو الغالب علي مستوي سجون هؤلاء المرتدين وحسبنا الله ونعم الوكيل فهل يجوز هذا الفعل ؟

ثانيا: يقول بعض الدعاة أن هذا الفعل جائز لأنه ليس بتحاكم إلي القوانين الوضعية بل هو موافق للشرع وهذا من باب رد المظالم ويستدلون

1- قول سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام (اذكرني عند ربك )

2- حلف الفضول (لأن النبي - صلي الله عليه وسلم-قال لو دعيت إلى مثله لأجبت)

3- دخول النبي- صلي الله عليه وسلم- في جوار المطعم .
ولا أدري صراحة ما هي العلة المناسبة في هذا الدليل حتي تقاس عليها هذه المسألة .

فيا مشايخنا هل هذا الفعل جائز كما قالوا بناء علي ما استدلوا به أو أنه جائز بأدلة أخري فلا يدخل في مسألة التحاكم ؟

أم أنه تحاكم إلي القوانين الوضعية ولكن ينظر فيه إلي الفاعل فلا يكفر حتي تثبت الشروط وتنتفي الموانع ؟

وإذا كان تحاكما فهل يجوز للمعتقل فعله مطلقا أم لا بد أن يكون متيقنا أو غلب علي ظنه أنه سيفرج عنه بسبب هذا(التظلم ) كما يسمونه ؟

وهل التحاكم المكفر إذا كان يوجد حكم بالشريعة وتركه المرء وتحاكم إلي غيره ؟أم أن التحاكم إلي غير شرع الله يكون مكفرا سواء كان هناك حكم بالشرعة أم لا؟

وجزاكم الله خيرا مشايخنا الأفاضل ،واعذورني بارك الله فيكم علي كثرة الأسئلة لأننا لا نجد من يفتينا في مثلها ولا حول ولا قوة إلا بالله.

السائل: محب المساكين

المجيب: اللجنة الشرعية في المنبر

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على نبيه الكريم
وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد :

أخي الكريم هذه المحاكم اليوم لا تحكم إلا بالقوانين الوضعية والمتحاكم إليها متحاكم إلى القانون الوضعي ، يصدق عليه الوعيد الوارد في قوله تعالى :

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) [النساء : 60 ، 61].

والتحاكم إلى غير شرع الله كفر ، والكفر لا يبيحه إلا الإكراه الملجئ ، اما ما دون ذلك من الضرر فلا يستباح به الكفر، والتمسك بالتوحيد أهم من المحافظة على سائر المصالح الدنيوية .

وقد روى البخاري في الصحيح عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال :
(شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون).

أما الأدلة التي ذكروا فليس في أي منها دليل على مشروعية التحاكم إلى غير شرع الله لإزالة الظلم .

1- فقول يوسف عليه الصلاة والسلام (اذكرني عند ربك)
ليس فيه تحاكم إلى الطاغوت إنما هو محاولة لرفع الظلم بوسيلة مشروعة .

2- وحلف الفضول ليس تحاكما إلى الطاغوت وإنما هو تعاون لإنصاف المظلوم .

3- وهكذا أيضا دخول النبي- صلي الله عليه وسلم- في جوار المطعم بن عدي فهو ليس من باب التحاكم إلى الطاغوت وإنما هو استعانة بالكافر في دفع ظلم الكفار .

فهذه الادلة التي ذكروا لا علاقة لها بالموضوع .

واما التحاكم إلى غير شرع الله فهو ممنوع مطلقا ، سواء وجدت محاكم تحكم بشرع الله أو لم توجد .

فينبغي للمسلمين أن يبتعدوا عن اللجوء إلى المحاكم التي تحكم بالقوانين الوضعية ، ولو كان التحاكم إليها يرد إليهم المظالم .

أما متى يباح اللجوء إلى هذه المحاكم ؟

فإنه لا يباح إلا للأسير المظلوم الذي يعذب عذابا شديدا، ولا يجوز له اللجوء الى التحاكم إلا بعد استنفاد الوسائل الأخرى المشروعة مثل اللجوء للهيئات الحقوقية أو الاستعانة بحماية شخصيات لها نفوذ في الدولة ونحو ذلك .

ولعل من المناسب هنا التذكير بكلام الشيخ أبي محمد المقدسي – فك الله أسره لما سئل عن هذا الأمر ، حيث قال :

" الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

لا يجوز للمسلم أن يتحاكم للمحاكم التي تحكم بالقوانين الوضعية مختارا ولو ذهبت دنياه كلها وهذا هو قول العلماء المحققين ..

لأن التحاكم إلى الطاغوت إيمان به وتول له ؛ كما قال تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا )

يقول الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل شيخ رحمه الله عند قوله تعالى : ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله .. ﴾ : ( وذلك أن التحاكم إلى الطاغوت إيمان به ) ( فتح المجيد ص 245)

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في رحمه الله مجموع الفتاوى : (ومن موالاة الكفارالتي ذم الله بها أهل الكتاب والمنافقين الإيمان ببعض ماهم عليه من الكفر , أو التحاكم إليهم دون كتاب الله . كما قال تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ...﴾ الآية .

ويقول الشيخ سليمان بن سمحان : (( إذا كان هذا التحاكم كفراً والنزاع إنما يكون لأجل الدنيا , فكيف يجوز لك أن تكفر لأجل ذلك؟ فإنه لا يؤمن الإنسان حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما , وحتى يكون الرسول أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين . فلو ذهبت دنياك كلها لما جاز لك المحاكمة إلى الطاغوت لأجلها , ولو اضطرك مضطر وخيّرك بين أن تحاكم إلى الطاغوت أو تبذل دنياك لوجب عليك البذل ولم يجز لك المحاكمة إلى الطاغوت )) اهـ. الدررالسنية (10/510) .

فالواجب على كل مسلم اجتناب التحاكم إلى القوانين الوضعية والبراءة منها ومن أهلها لأن ذلك من الكفر بالطاغوت الذي هو ركن التوحيد ..

ولا يجوز له التحاكم إليها لأجل الدنيا ؛ فالدنيا ليست عذرا للكفر بالله والإيمان بالطاغوت ..

فإن قال السائل : إن هذا يوقع الناس في الحرج والمشقة ..!

قلنا له : صدقت ؛ ولكن ذلك الحرج إنما هو بسبب غياب شريعة الله و تحكيم شريعة الطاغوت .. قال تعالى : ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا )

فالحل والخلاص من هذه المعيشة الضنك ، ورفع الحرج ودفع المشقة إنما يكون في ظل شريعة الله التي تحفظ الحقوق وتحصّل الضروريات جميعها ؛ لا في ظل شريعة الطاغوت التي تهدرها وتضيعها .. وانظر لتفاصيل ذلك كتابنا ( كشف النقاب عن شريعة الغاب )

وعليه فالعلاج الناجح والناجع الذي ندعو إليه المسلمين هو العمل الجاد والإعداد والجهاد لاستعادة حكم الشريعة في الأرض ليتمكنوا من عبادة ربهم كما يحب ربهم ويرضى وليتفيئوا نعمة تحكيم الشريعة وعدل الإسلام الذي حرموا منه عقودا منذ سقوط الخلافة ..

هذا هو الحل وليس الحل باللجوء إلى المحاكم الطاغوتية واستمراء التحاكم إلى قوانينها والاعتياد عليه والتساهل فيه ؛ بل هذا هو الهلاك الحقيقي والخسران المبين ..

هذا هو قولنا دائما عندما نسأل عن التحاكم إلى المحاكم القانونية ولم نقل يوما بخلافه ولم تصدرعنا قط فتوى بجواز التحاكم إلى الطواغيت ؛ فإن أصل دعوتنا هي الدعوة إلى تحقيق التوحيد بجهاد الطواغيت والبراءة من الشرك والتنديد ..

ـ ومع ذلك فنحن لا نكفر عوام الناس … ؛ لأخذهم بفتاوى غيرنا من المشايخ المجيزين للتحاكم إلى هذه المحاكم لاسترداد الحقوق في ظل تنحية شرع الله عن الحكم ؛ وفي ظل غياب سلطان الإسلام .. فهذا شيء آخر لا نقول به ولا ننتحله كما هو عند الغلاة الذين لا يرحمون الخلق ولا يقيمون وزنا لعموم الاستضعاف اليوم في أمة الإسلام والذي هو مظنة الضرورات والاكراه ، كما لا يفقهون أن التفريق بين هذه الأشياء ما يقبل منها كمانع من موانع التكفير وما لا يقبل هو من فروع الشريعة التي يعذر الجاهل أوالمخالف المتأول فيها كما عذر حاطب رضي الله عنه في تأويله حين ظن أن تسلط قريش على ذراريه ضرورة أو عذر يبيح له افشاء سر رسول الله مع تيقنه بنصره وأن فعله لن يضر المسلمين .. كما لا يفرقون في الحكم على المتحاكمين بين نوعي الحكم الطاغوتي والحكم الإداري ، ولا حتى بين ما يتأوله كثير من الناس من التحاكم إلى ما يرونه موافقا لشرع الله من أحكامهم ... كل ذلك لا ترى له اعتبارأ عند الغلاة حين يطلقون التكفير على المتحاكمين من عموم الناس في زماننا ، فالتكفير عندهم شأنه يسير !! ويتقحّمونه بسهوله ..

أما نحن فنقول أن التحاكم للطواغيت كفر ، ونكفر المتحاكم إليها إن كان من الطائفة الممتنعة بشوكة عن الشريعة وعن القدرة ، والذين هم السبب الحقيقي لتعطيل حكم الله والحكم بشرع الطاغوت ..

أما غير الممتنعين بشوكة من عموم المسلمين المستضعفين فلا ننكر على من سمى عملهم ووصفه بأنه تحاكم للطاغوت لينفّر عنه ويخوّف منه ، بل ولا ننكر على من يصفه بأنه فعل كفر ، ولكن هناك فرق بين تكفير الفعل وتكفير الفاعل كماهو معلوم ؛ ولذلك فنحن لا نكفر الفاعل غير الممتنع حتى تجتمع في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه ؛ وعليه فنحن لا نكفر عوام المسلمين المستضعفين في زماننا بسبب تحاكمهم إلى المحاكم الوضعية ، لأجل أنهم يفعلون ذلك في ظل غياب حكم الله وسلطان الإسلام في الأرض وهذه ليست صورة سبب نزول الآيات المكفرة للمتحاكم للطاغوت ، فيجب مراعاة ذلك ، وبسبب الاستضعاف العام الذي هو مظنة مانع الإكراه ، وبسبب التأويل الذي عندهم في هذه الأبواب .. وراجع لمزيد من التفصيل في هذا الباب كتابنا ( الثلاثينية في التحذير من أخطاء التكفير ) ..

ونرى أن من بادر إلى تكفيرهم دون مراعاة لهذه الأمور ؛ نرى أنه من غلاة المكفرة الذين حادوا عن الحق ولم يرحموا الخلق ..

ـ بل إن بعض هؤلاء الغلاء يكفرون بما سأل عنه السائل الثاني وهو مجرد التبليغ للشرطة عن مال مسروق او سيارة مسروقة أو ابن ضائع !! يعني يكفرون كل من دخل مخفر الشرطة ويخلطون بين موضوع التحاكم وبين موضوع الاستنصار الذي نبهت عليه في كتابي المشار إليه ، ومع تفصيلي فيه وردي على من خلط بين هذا وهذا وأنه لا يجوز إلحاق هذا بهذا وأن الغلاة يكفرون بالجميع دون ضوابط ولا اعتبار للشروط والموانع ...

وملخص جوابي هنا : أن مهمتنا ليست تبرير هذا الواقع ولا ترقيعه أوالتسويغ للانخراط والمشاركة في باطله ، بل مهمتنا هي العمل على تغييره لإقامة حكم الله في الأرض ، ولذلك لا نفتي أبدا بجواز تحاكم أحد للمحاكم الوضعية مختارا في أي شأن من الشؤون لأن أصل دعوتنا هو البراءة من هذه المحاكم والدعوة إلى اجتنابها ، ومع ذلك فنحن لا نكفر من خالفنا فاتبع فتوى غيرنا وتحاكم إليها في ظل عدم توفر حكم الله له في زمن الاستضعاف ، ومن باب أولى أننا لا نكفر من استنصر بالشرطة أو غيرهم لدفع ظلم ظالم عن عرضه أو نفسه أو ماله لا يتمكن من دفعه إلا بذلك في ظل الاستضعاف ، ولو فعل ذلك تخويفا لظالم كي يرد له حقه موهما له أنه سيحاكمه إن لم يرد حقه ، ثم يسقط الشكوى لزاما عند تحصيل حقه ولا يحاكمه ؛ لو فعل ذلك للضرورة لما كان عليه في ذلك من حرج ما دام هذا الظالم لا يزعه القرآن ، ولا يرتدع ويخوّف إلا بالسلطان، ومادام المشتكي لن يحاكمه بالفعل بل سيسقط الشكوى قبل أن تصل للمحاكم الوضعية أخذ حقه أو لم يأخذه ..

ـ وننبه المسلمين في هذا المقام إلى خطورة التحاكم إلى غير ما أنزل الله وأن ذلك من الكفر المستبين ، وإلى وجوب توحيد الله في الحكم والتشريع ، لأن الإشراك بالله في حكمه من الإشراك به في عبادته ..

ـ كما نوصي إخواننا بعدم التعجل في تكفير المسلمين المستضعفين غير الممتنعين بشوكة عن الشرع ، ومراعاة واقع الاستضعاف وإعمال شروط التكفير وموانعه وتجنب التكفير بالمحتملات وبلوازم الأفعال ومآلاتها وغير ذلك من موانع التكفير ..

ـ ونحذرهم من الاغترار بكلام وشبهات الغلاة المتخبطين في هذه الأبواب الذين لا يعرفون الحق ولا يرحمون الخلق ، وأن لا يغتروا بهم ولو لبسوا كلامهم بلباس الكلام في الطواغيت وأكثروا النقل عن أئمة الدعوة النجدية بغير فهم ولا تحقيق ، ما لم يضبطوا ذلك بضوابط أهل السنة ومالم يعملوا شروط التكفير وموانعه ... " أهـ ( بتصرف يسير )

والله اعلم

والحمد لله رب العالمين .
أجابه، عضو اللجنة الشرعية :
الشيخ أبو المنذر الشنقيطي


tawhed.ws | alsunnah.info | almaqdese.net | abu-qatada.com | mtj.tw | tawhed.net