utf-8
شبهة؛ أن المجاهدين لم يأخذوا حظهم الكامل من التربية
 الجديــد | محــرك البحــث | برنــامج المــنبـــر| خــارطــة المـوقــع | اتـصــل بنــا | تـجـاوز الحــجــب | الـمنــتــدى
مكتبة الشيخ المقدسي
منهاج السنة
عـقــيــدة أهـــل الـجـنـة
الــفــريــضــة الــغــائـبـة
كــــتــــب وأبـــــحــــاث
مـــــــــــــقــــــــــــــالات
قــــضـــايـــا فــقــهــيــة
التـــاريــخ و الســــــيـــر
حــــــــــــــــــــــــــوارات
أشـــبــــال الــتــوحــيــد
مـــــــــطــــــــويــــــــات
فــــــرق ومـــــذاهــــــب
مجــــــــــــــــــــــــــــلات
المجـموعـــات الإعــلامية
بــيــانـــــــات المــــنــبــر
عــــين على الأحــــــداث
كـلمـات سطرت بالدمــاء
صوت التوحيد
مـــــــرئــــــيـــــــــــــات
خـطـب ومــحـــاضـــــرات
حـــــــداء الـــمــجــاهـــد
عيون الكلم
مــخـتــارات شــرعـــيـــة
الــجـهــاد والــشــهـــادة
الأخــــلاق والـــرقــائـــق
الـــواقــع الــمــعــاصـــر
مــوضــوعـات مــتـنـوعـة
 منبر التوحيد و الجهاد منهاج السنة الفريضة الغائبة شبهات وردود شبهة؛ أن المجاهدين لم يأخذوا حظهم الكامل من التربية

شبهة؛ أن المجاهدين لم يأخذوا حظهم الكامل من التربية
Share


                        الكاتب : عبد الحكيم حسان
صندوق الأدوات
حفظ المادة
طباعة
إلى المفضلة
تنبيه عن خطأ
إلى صديق
محرك البحث
بحث في الصفحة
بحث متقدم » 

شارك معنا
شارك معنا في نشر إصدارات المجاهدين. . . رسالة إلى كل من يملك كتاباً أو مجلة أو شريطاً . . . تتمة
وإخواناً حسبتهمو دروعاً (2)

الحمد لله موجب الجهاد بحكمته وناصر أهل الإسلام بقدرته، والصلاة والسلام على الضحوك القتال محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه أجمعين.

وبعد...

فنستكمل في هذا العدد بإذن الله تعالى الرد على فرية أخرى من الافتراءات الباطلة التي يطلقها المثبطون عن الجهاد.

ألا وهي زعمهم؛ أن جماعات المجاهدين ما هي إلا جماعات ومجموعات لم تأخذ حظها الكامل من التربية!

فنقول، وبالله تعالى التوفيق وبه نتأيد:

إنا قد ابتلينا في هذا الزمان بطائفة من أهل الإسلام يريدون صرف الشباب عن فرض الجهاد في سبيل الله تعالى، بدعوى؛ وجوب التربية، والتي لا يعرف المنادون بها نهاية لها، ويدَّعون أنه لا يصح - بل ليس من الشريعة في شيء - الجهاد مع قوم ناقصي الإيمان.

وهؤلاء إنما يريدون إباحة ديار المسلمين وأعراضهم ودماءهم لأعداء الله تعالى، فإن الجهاد الحاصل في الأزمنة المتأخرة من عصور الدولة الإسلامية وإلى يومنا هذا؛ كان على هذا الوجه الذي ينكرونه.

ولا يقول أحد؛ أن الجهاد مع أمراء يتلبسون ببعض المعاصي هو الكمال في ذلك، ولكننا نتكلم عن واقع حالي للمسلمين، وهو أنه إذا ما استطاع المسلمون الجهاد خلف التقي الصالح كامل الصلاح والتقى؛ فبها ونعمت، وإلا فإن أعداء الله تعالى من اليهود والنصارى والمرتدين وأهل الملل الكافرة يتربصون بأهل الإسلام وينتظرون الفرصة للقضاء عليهم.

وهاهم قد أحكموا قبضتهم الحديدية على أغلب ديار المسلمين سواء بالقوة العسكرية أو بتنصيب عملائهم من المرتدين، فهل يجب على المسلمين ترك الجهاد والحالة هذه حتى يخرج لنا من الأرض أو ينزل لنا من السماء إمام معصوم أو إمام بلغ الغاية والكمال في التقى والرشد؟! أم أنه يجب علينا أن ننتظر السنين الطويلة التي لا يعرف أحد لها نهاية حتى يحصل أهل الإسلام من بينهم من بلغ المنزلة المطلوبة؟! ثم من الذي يشهد له بذلك؟... إلى آخر التساؤلات التي يجب الإجابة عليها.

القتال مع كل بر وفاجر:

والصحيح في هذا الحال؛ أن يقاتل المسلمون أعداء الله تعالى - سواء في جهاد الدفع أو الطلب - خلف من يقيم الجهاد ومعه، وإن كان به بعض التقصير أو العصيان، وفي هذا تحصيل لأعظم المصالح ودفع لأعلى المفاسد، فإن المسلمين بين أمرين؛

  • إما الجهاد خلف هؤلاء الأمراء ودفع عدوان الكافرين.

  • أو ترك الجهاد بالكلية، والذي ينبني عليه ما نراه ونشاهده في بلادنا من علو الكفر وأهله وضياع شريعة الله تعالى وانتشار الفساد والظلم.

    ولذلك قال ابن قدامة رحمه الله تعالى في بيان ذلك، في شرح قول الخرقي رحمه الله: (ويُغزى مع كل بر وفاجر)، قال ابن قدامة رحمه الله: (يعني مع كل إمام.

    قال أبو عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - وسئل عن الرجل يقول: أنا لا أغزو ويأخذه ولد العباس، إنما يوفر الفيء عليهم! فقال: "سبحان الله هؤلاء قوم سوء هؤلاء القعدة مثبطون جهال، فيقال: أرأيتم لو أن الناس كلهم قعدوا كما قعدتم من كان يغزو؟! أليس كان قد ذهب الإسلام؟! ما كانت تصنع الروم؟!".

    وقد روى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً" [1].

    وبإسناده عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، والإيمان بالأقدار" [2].

    ولأن ترك الجهاد مع الفاجر؛ يفضي إلى قطع الجهاد وظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم، وظهور كلمة الكفر وفيه فساد عظيم، قال الله تعالى: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}) [3].

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل.

    ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة"، فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها...).

    إلى أن قال رحمه الله: (فيقدم في إمارة الحرب الرجل القوي الشجاع - وإن كان فيه فجور - على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أميناً.

    كما سُئِل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يُغزى؟ فقال: "أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيغزى مع القوي الفاجر".

    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"، وروي: "بأقوام لا خلاق لهم" [4].

    وإن لم يكن فاجراً؛ كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين، إذا لم يسد مسده) [5] اهـ.

    وقد قال ابن تيمية أيضا في كلام جامع عن هذه المسألة - وذلك في كلامه عن قتال التتار -: "فإن اتفق من يقاتلهم على الوجه الكامل فهو الغاية في رضوان الله وإعزاز كلمته ولإقامة دينه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن كان فيهم من فيه فجور وفساد نية بأن يكون يقاتل على الرياسة أو يتعدى عليهم في بعض الأمور، وكانت مفسدة ترك قتالهم أعظم على الدين من مفسدة قتالهم على هذا الوجه، كان الواجب أيضا قتالهم دفعاً لأعظم المفسدتين بالتزام أدناهما، فإن هذا من أصول الإسلام التي ينبغي مراعاتها، ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر...).

    إلى أن قال رحمه الله: (بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه.

    وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم" [6].

    فهذا الحديث يدل على معنى ما رواه أبو داود في سننه من قوله صلى الله عليه وسلم: "الغزو ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر أو عدل عادل".

    وما استفاض عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة" [7].

    إلى غير ذلك من النصوص التي اتفق أهل السنة والجماعة مع جميع الطوائف على العمل بها في جهاد من يستحق الجهاد مع الأمراء أبرارهم وفجارهم، بخلاف الرافضة والخوارج الخارجين عن السنة والجماعة.

    هذا مع إخباره صلى الله عليه وسلم أنه: "سيلى أمراء ظلمة خونة فجرة، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم فليس مني ولست منه ولا يرد على الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وسيرد على الحوض") [8].

    الطاعة لنا والمعصية عليهم:

    (فإذا أحاط المرء علماً بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الجهاد الذي يقوم به الأمراء إلى يوم القيامة وبما نهى عنه من إعانة الظلمة على ظلمهم، علم أن الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض؛ جهاد من يستحق الجهاد كهؤلاء القوم المسئول عنهم مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام منهم، إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك، واجتناب إعانة الطائفة التي يغزو معها على شيء من معاصي الله، بل يطيعهم في طاعة الله ولا يطيعهم في معصية الله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

    وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديماً وحديثاً، وهي واجبة على كل مكلف، وهي طريقة متوسطة بين طريقة الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقاً وإن لم يكونوا أبراراً) [9] اهـ.

    ومما سبق يتبين؛ أن الجهاد ماض لا يتوقف بسبب جور أو ظلم بعض الحكام والأمراء، وإنه إن لم يمكن الجهاد خلف الأمير التقي الصالح، فإنه يُجاهد خلف الأمثل فالأمثل، ولا يُترك الجهاد مع بعض الأمراء المسلمين لأن فيهم أو في عسكرهم من ليس بتقي أو من لم تكتمل تربيته، فإن ترك الجهاد والحالة هذه يؤدي إلى ضياع الإسلام وضعف أهله.

    وهذا ما نراه واقعا نعيشه في هذا الزمان، فإنه لما انتشر هذا المذهب الفاسد - أعني ترك الجهاد بسبب قلة التربية - وقعد أهل الإسلام عن منازلة أعداء الملة بهذه الحجة؛ غلب الكفار على ديار المسلمين وعلى أعراضهم وأموالهم بل وأذلوهم وحكموهم بالقوانين الوضعية الكافرة التي ما أنزل الله بها من سلطان، وسلبوا المسلمين كل مظاهر القوة والعزة، حتى صار المسلمون أذل الناس وأضعفهم، وانتشرت المذاهب الباطلة من اشتراكية وديمقراطية وعلمانية وغيرها، وما استطاع المسلمون التأثير في حياة الناس، وظل بعضهم يردد؛ لا جهاد قبل اكتمال التربية! بل قد تجرأ بعضهم فأبطل الجهاد قبل كمال التربية أصلاً!

    إلى ماذا يهدف هؤلاء؟

    ولا ندري ماذا يقصد أصحاب هذا الشعار، هل يقصدون إيقاف الجهاد حتى يكون كل واحد من المسلمين مثل أبي بكر وعمر وسائر الصحابة رضي الله عنهم؟! أم يقصدون إيقاف القتال حتى يكون كل واحد من المجاهدين أمثال ابن تيمية وابن القيم والعز ابن عبد السلام وأمثالهم؟!

    وما هو حد هذه التربية التي يُقال عندها؛ الآن قد وجب الجهاد؟ أهي قيام الليل كل ليلة؟ أم صيام النهار كل يوم؟ أم ختم القرآن كل ثلاث؟ أم أنهم يوقفون الجهاد حتى تصفَّى كتب العلم كلها مما فيها من المخالفات سواء الحديثية أو الفقهية؟ وأنَّى لهم أن يوفوا بذلك كله؟

    ومن المعلوم أن ما لا ينضبط لا يصح أن يكون شرطاً.

    والله تبارك وتعالى قد أمر رسوله صلى الله عليه وسلم - الذي هو أعلم وأعبد وأزهد الناس وأشجعهم - قد أمره بالعبادة ومجاهدة النفس إلى أن يموت، فقال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}.

    وهل يستطيع الإنسان أن يحكم على نفسه أو على غيره؛ أنه قد أكمل تربية نفسه وأصبح تقياً باراً صالحاً قد وجب عليه الجهاد حينئذ؟!

    فإن فعل فقد دخل في نهي الله تعالى عن تزكية النفس حيث قال تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ}، وقوله ذلك دليل على أنه لم تكتمل تربيته، وهل يستطيع أحد أن يحكم على أحد بأنه قد صار مكتمل الإيمان سليم القلب صحيح العمل؟

    ولذلك فإن مذهب أهل السنة والجماعة الاستثناء في الإيمان - وهو أن يقول الإنسان؛ أنا مؤمن إن شاء الله - على قصد عدم إكمال شعب الإيمان كلها والقيام بكل واجباته.

    دفع الفتنة من أوجب الطاعات:

    هذا وإن دفع فتنة الكفار أوجب شيء على المسلمين بعد الإيمان بالله تعالى في هذا الزمان، وهل هناك فتنة أعظم من حلول الكافرين بعقر بلاد المسلمين يفرضون عليهم أحكام الكفر ويسعون في إفساد المسلمين وفتنتهم عن دينهم بشتى وسائل المكر، ويبيحون بلاد المسلمين لأعدائهم ينهبون ثرواتهم ويعيثون فيها فساداً، فمن قال بتأجيل جهاد هؤلاء الكفار حتى تكتمل تربية المشاركين في الجهاد، فقد قال قولاً تخالفه عموم الأدلة القاضية بوجوب الجهاد ودوامه واستمراره إلى يوم القيامة.

    ثم ألا يدري أصحاب هذا القول؛ أن الكفار لا يزالون يحاربون أهل الإيمان حتى يردوهم عن دينهم، ولن يتركوا للمربين الفرصة للقيام بما يرغبون، والواقع خير شاهد على ذلك، فإن هؤلاء المجرمين بما يملكون من وسائل الترغيب والترهيب والتأثير الإعلامي والمادي يستطيعون التأثير على العامة، بحيث إذا تقدم معهم من يتعهدهم بالتربية خطوة، رجع هؤلاء بهم إلى الكفر والفساد خطوات، والنتيجة الواضحة للعيان هي ضياع دين كثير من الناس تحت تأثير السيف والذهب.

    وصدق الله تعالى إذ يقول: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}، وقال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}.

    كذلك فإن هؤلاء الكافرين لن يبقوا على أي وسيلة من وسائل التربية الصالحة؛ إلا وأغلقوها أو أفرغوها من مضمونها، فتبقى صورة بلا معنى ولا فائدة، ولذلك قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}، فلولا دفع الله تعالى الكافرين بالمجاهدين في سبيله؛ لما بقي مكان صالح لعبادة الله سبحانه.

    قال القرطبي رحمه الله: (أي؛ لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتل الأعداء، لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بناه أرباب الديانات من مواضع العبادات، لكنه دفع بأن أوجب القتال؛ ليتفرغ أهل الدين للعبادة، فالجهاد أمر متقدم في الأمم وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات).

    بعض المخالفات التي وقعت زمن النبي صلى الله عليه وسلم:

    وقد حدث على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعض المخالفات ممن خرج معه للجهاد، سواء من الأمراء أو الجند - على جلالة قدرهم وعلو منزلتهم - وما أوقف النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد ليستكمل تربية هؤلاء المخالفين، وما طردهم أيضاً من جيشه، بل أمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر بحسب حالهم وما فعلوه، وهذا معلوم مستفيض لمن قرأ سيرته وسأذكر طرفاً من ذلك للتذكير:

    عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى بني خزيمة، فلم يحسنوا أن يقولوا؛ أسلمنا، فقالوا: "صبأنا، صبأنا"، فجعل خالد يقتل ويأسر ودفع إلى كل رجل منا أسيره، فأمر كل رجل منا أن يقتل أسيره، فقلت: (والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره)، فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد) – مرتين - [10].

    فقد ارتكب خالد رضي الله عنه مخالفة، حيث قتل هؤلاء القوم وقد أسلموا، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث دياتهم وما تلف من أموالهم، حتى ميلغة الكلب.

    والمقصود؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم ما عزل خالداً ولا أخرجه من الجيش ولا أوقف الجهاد لهذا الفعل، بل فعل ما يجب عليه شرعاً، بدفع دياتهم، وأنكر على خالد بحسب ما فعل [11].

    وعن علي رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية وأمَّر عليهم رجلاً من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم، وقال: أليس قد أمر النبي أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: قد عزمت عليكم لما جمعتم حطباً وأوقدتم ناراً ثم دخلتم فيها، فجمعوا حطباً فأوقدوا، فلما هموا بالدخول فقام ينظر بعضهم إلى بعض، قال بعضهم: إنما تبعنا النبي صلى الله عليه وسلم فراراً من النار، أفندخلها؟! فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً، إنما الطاعة في المعروف) [12].

    فقد أمرهم هذا الأمير بالدخول في النار، ولا شك أن هذه معصية وقتل نفس بغير حق، ومع ذلك فلم يوقف النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد، ولا أخرجهم من الجند حتى يستكملوا التربية، ولا قال؛ مثل ما يقول هؤلاء.

    وقد قتل أسامة بن زيد رضي الله عنه رجلاً في إحدى الغزوات، بعدما قال؛ "لا إله إلا الله"، وأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك إنكاراً شديداً، وندم أسامة رضي الله عنه على ذلك ندماً شديداً، وما منعه صلى الله عليه وسلم من الجهاد بعدها.

    بل كان أمير الجيش الذي جهزه النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته.

    فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله فكف الأنصاري عنه فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا أسامة، أقتلته بعدما قال "لا إله إلا الله"؟!)، قلت: كان متعوذا، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم [13].

    وقد وقع من بعض الصحابة رضي الله عنهم بعض الهنات غير هذا، ولم يمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم من الجهاد بسببها، ولم يوقف الجهاد جملة حتى يتأكد أن القوم قد كملت تربيتهم، بل أنكر صلى الله عليه وسلم ما رأى وبلغه من ذلك، كل بحسبه.

    فالتربية الإيمانية؛ تُمارس أثناء الجهاد، ولا يؤجل الجهاد من أجلها، فهي لا تنتهي إلا بموت العبد وبخروج روحه من جسده.

    والقول؛ بتأجيل الجهاد، بحجة عدم اكتمالها، يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية، فإذا كان قد وقع في القرون الفاضلة ما وقع، فهل يكون من بعدهم خيراً منهم أو معصومين من المعاصي دونهم؟!

    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم) [14].

    العدالة ليست شرطاً للجهاد:

    ومن المعلوم؛ أن العدالة ليست من شروط وجوب الجهاد، وأنه يجوز للفاسق أن يخرج للجهاد إذا كانت منفعته للجهاد أعظم من مفسدة خروجه، وقد ورد في النصوص الشرعية؛ أن الشهادة تكفِّر الذنوب، فإذا كان لا يخرج للجهاد إلا من أكمل التربية الإيمانية وخلا من المعاصي والمخالفات؛ فأي شيء تكفره الشهادة إذن؟ ولولا الإطالة لذكرنا بعضاً من هذه النصوص، وحسبنا أنها معلومة مشهورة.

    هذا، ولا يعيب طائفة من المجاهدين أن يكون بين صفوفهم بعض العصاة، إنما الذي يعيبها أن تقرهم على المعصية ولا تأخذهم بطاعة الله تعالى أمراً ونهياً، وقد كان المنافقون يخرجون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزو.

    والمقصود من هذا؛ أنه إذا وجد بعض العصاة في طائفة مجاهدة قائمة بأمر الله، فإن هذا ليس بمبرر لترك الجهاد معها.

    وقد اتفق العلماء على الجهاد مع البر والفاجر، وأن ذلك خير من ترك الجهاد جملة والذي يؤدي إلى استئصال شأفة الإسلام وضياع شريعته وذل أهله.

    ولذلك فقد قال ابن تيمية رحمه الله: (فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب، كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه؛ خيراً من العكس) [15] اهـ.

    وقال الشاطبي رحمه الله مؤصلا هذه المسألة: (وكذلك الجهاد مع ولاة الجور، قال العلماء بجوازه، قال مالك: "لو ترك ذلك لكان ضرراً على المسلمين"، فالجهاد ضروري، والوالي فيه ضروري، والعدالة فيه مكملة للضروري، والمكمل إذا عاد للأصل بالإبطال؛ لم يعتبر) [16] اهـ.

    وقد أنكر ابن حزم رحمه الله على من يقول بتأجيل القيام بالجهاد بسبب فسق بعض المجاهدين، فقال رحمه الله: (ولا إثم بعد الكفر أعظم من إثم من نهى عن جهاد الكفار وأمر بإسلام حريم المسلمين إليهم، من أجل فسق رجل مسلم لا يُحاسب غيره بفسقه) [17] اهـ.

    وفي وجوب الجهاد مع كل مسلم مهما كان حاله، قال ابن حزم رحمه الله: (وأما الجهاد؛ فهو واجب مع كل إمام وكل متغلب وكل باغ وكل محارب من المسلمين، لأنه تعاون على البر والتقوى، وفرض على كل أحد دعا إلى الله تعالى وإلى دين الإسلام ومنع المسلمين ممن أرادهم، قال تعالى {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ... الآية}، فهذا عموم لكل مسلم بنص الآية في كل مكان وكل زمان، وبالله تعالى التوفيق) [18] اهـ.

    ولذلك نقول: إن الواجب على المسلمين أن يتقوا الله قدر استطاعتهم، فهذا هو المأمور به قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، ويجب عليهم أن يبحثوا عن أمثل الناس في عصرهم وبلدهم من أهل الحق؛ فينصبوهم أمراء للجهاد ولا يفرطون في ذلك، ويجب عليهم القيام بالجهاد في سبيل الله تعالى ما أمكنهم إلى ذلك سبيلاً.

    فإن تيسر الجهاد مع المؤمن التقي البار؛ فهذا هو الكمال المطلوب، وإن لم يمكن الجهاد إلا خلف من فيه نوع تقصير أو معصية؛ يُجاهد خلفه تحصيلاً لأعظم المصلحتين ودفعاً لأعظم المفسدتين، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وهو وسط بين مذهب المرجئة المفرطة والخوارج الغالية.

    والله تعالى أعلم
    والحمد لله رب العالمين

    عن مجلة؛ طلائع خرسان، العدد الخامس
    ذو القعدة/1426 هـ



    [1] رواه أبو داود وأبو يعلى من حديث أبي هريرة، قال الشوكاني: لا بأس بإسناده إلا أنه من رواية مكحول عن أبي هريرة ولم يسمع منه.

    [2] رواه أبو داود وسكت عليه هو والمنذري، وفي إسناده يزيد بن أبي نشبة وهو مجهول، وأخرجه أيضا سعيد بن منصور وفيه ضعف وله شواهد، راجع نيل الأوطار للشوكاني، باب الجهاد فرض كفاية وأنه شرع مع البر والفاجر.

    [3] المغني مع الشرح الكبير، والآية من سورة البقرة: 251.

    [4] رواه النسائي وابن حبان عن أنس رضي الله عنه، ورواه أحمد والطبراني عن أبي بكرة رضي الله عنه.

    [5] مجموع الفتاوى لابن تيمية: 28/254 - 255.

    [6] رواه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي والترمذي وأبو داود عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم.

    [7] رواه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة والبيهقي عن عدة من الصحابة رضي الله عنهم.

    [8] رواه ابن ماجة والطبراني والحاكم.

    [9] مجموع الفتاوى: ج 28/506 - 508، وراجع شرح العقيدة الطحاوية: 422 - 423، فقد ذكر كلاما طويلا لا يخرج عما ذكرناه.

    [10] رواه البخاري في باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد، ورواه أيضا أحمد وابن حبان والنسائي والبيهقي.

    [11] راجع تفسير ابن كثير: 1/536.

    [12] رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد وأبو يعلى.

    [13] رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن حبان والبيهقي.

    [14] رواه البخاري وتمامه عن الزبير بن عدي، قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج، فقال: (اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم).

    [15] مجموع الفتاوى: 28/212.

    [16] الموافقات: 2/51.

    [17] المحلى: 7/300، ط دار الآفاق الجديدة.

    [18] الفصل في الملل والنحل لابن حزم: 4/137.

  • tawhed.ws | almaqdese.net | abu-qatada.com | mtj.tw
    * إننا - في منبر التوحيد و الجهاد - نحرص على نشر كل ما نراه نافعا من كتابات ، إلا أن نشر مادة " ما " لكاتب " ما " ، لا يعني بحال ؛ أن ذلك الكاتب يوافقنا في كل ما نقول ، و لا يعني ؛ أننا نوافقه في كل ما يقول في كتاباته الأخرى ، و الله الموفق لكل خير . * إننا - في منبر التوحيد والجهاد - لا ننشر إلا لكتّاب غلب عليهم الصلاح والصواب يوم نشرنا لهم، فإذا ما انحرفوا وغيروا و بدلوا -وغلب ذلك على كتاباتهم - توقفنا عن النشر لهم دون أن نزيل موادهم التي نشرناها من قبل وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين !