utf-8
منبر التوحيد و الجهاد - قراءة مادة: وقفات مع ثمرات الجهاد <font color=red>( نسخة مزيدة؛ إضافة الوقفة التاسعة عشر )</font>
 الجديــد | محــرك البحــث | برنــامج المــنبـــر| خــارطــة المـوقــع | اتـصــل بنــا | تـجـاوز الحــجــب | الـمنــتــدى
مكتبة الشيخ المقدسي
منهاج السنة
عـقــيــدة أهـــل الـجـنـة
الــفــريــضــة الــغــائـبـة
كــــتــــب وأبـــــحــــاث
مـــــــــــــقــــــــــــــالات
قــــضـــايـــا فــقــهــيــة
التـــاريــخ و الســــــيـــر
حــــــــــــــــــــــــــوارات
أشـــبــــال الــتــوحــيــد
مـــــــــطــــــــويــــــــات
فــــــرق ومـــــذاهــــــب
مجــــــــــــــــــــــــــــلات
المجـموعـــات الإعــلامية
بــيــانـــــــات المــــنــبــر
عــــين على الأحــــــداث
كـلمـات سطرت بالدمــاء
صوت التوحيد
مـــــــرئــــــيـــــــــــــات
خـطـب ومــحـــاضـــــرات
حـــــــداء الـــمــجــاهـــد
عيون الكلم
مــخـتــارات شــرعـــيـــة
الــجـهــاد والــشــهـــادة
الأخــــلاق والـــرقــائـــق
الـــواقــع الــمــعــاصـــر
مــوضــوعـات مــتـنـوعـة
 منبر التوحيد و الجهاد منهاج السنة الفريضة الغائبة فقه الجهاد وقفات مع ثمرات الجهاد ( نسخة مزيدة؛ إضافة الوقفة التاسعة عشر )

وقفات مع ثمرات الجهاد ( نسخة مزيدة؛ إضافة الوقفة التاسعة عشر )
Share


الكاتب : أبو محمد المقدسي
تاريخ الإضافة: 2008-10-14
صندوق الأدوات
حفظ المادة
طباعة
إلى المفضلة
تنبيه عن خطأ
إلى صديق
محرك البحث
بحث في الصفحة
بحث متقدم » 

شارك معنا
شارك معنا في نشر إصدارات المجاهدين. . . رسالة إلى كل من يملك كتاباً أو مجلة أو شريطاً . . . تتمة

الوقفة السادسة عشر : بين الجائز والأصلح.. وبين المشروع والأنفع..
{إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}

سألني صاحب من أصحاب سجني عن رأيي في إعلان تبني بعض المجاهدين ذبح أسير مدني أمريكي وإشهار ذلك أمام الكاميرات ونشره عبر شبكة الإنترنت ليشاهده العالم كله فيصير حديث الساعة للقاصي والداني حتى كاد يغطي على حديثهم عن فضائح الأمريكان أدعياء حقوق الإنسان في سجن أبو غريب!!

فقلت: لا أؤيد ذلك ولا يعجبني، مع معرفتي بحرقة من فعله على دين الله وحرصه على إعزازه وتألمه لما آلت إليه أوضاع أمته وتغيظه من تكالب الأعداء عليها وذلك كله مما دفعه إلى الاستعجال بإعلان ذلك وإشهاره، ومع ذلك كله أؤكد أن ذلك لم يعجبني وتمنيت لو أنه لم يعلنه ولا تبناه.. والأولى بمن ينتمي إلى مدرسة الجهاد الإسلامي العظيم أن لا يعلن أو يتبنى من الأعمال إلا ما لا ينتطح عليه عنزان مما يرفع راية الجهاد نقية وينأى به عن كل ما يكدره أو يمكّن الأعداء من استغلاله في خلط الأوراق وتشويه المجاهدين أو توظيفه لمآرب الأعداء..

قال صاحبي: عجبا لك، ولماذا لا يعجبك أليس ذلك بجائز؟

فقلت: يا أُخيّه، عندما أقول أن ذلك لم يعجبني فليس هذا لمجرد المخالفة والمماحكة، فليس أحب عندي من الموافقة والموالفة على الخير.. وإنما هو حرصي على استبعاد ما يضر الجهاد وسمعته في زمن لم تعد الحرب فيه موقوفة على القتال وحده، بل الإعلام له نصيب كبير في المساهمة في هذه الحرب، واختيار مني لما هو أنقى وأنفع للدعوة والجهاد والمسلمين في هذه الظروف..

ولقد كررت مراراً وتكراراً في كتاباتي وخطاباتي ودروسي لك ولغيرك أن الدعاة والمجاهدين لن يفلحوا الفلاح الذي يرجون ولن ينفعوا أمتهم وجهادهم كما يتمنون حتى يرتقوا من مستوى النظر في الجائز وغير الجائز وحسب؛ إلى مستوى الموازنة بين النافع من ذلك الجائز وغير النافع منه في هذا التوقيت، والراجح منه والمرجوح والفاضل والمفضول، والمصالح المختلفة في العمل المختار، والمفاسد المتفاوتة في تلك الأمور المفروغ من جوازها..

يقول تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) أي:أصلح.وقال تعالى:(اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) فالله أمرنا أن نتبع أصلح الأعمال وأحسنها وأحراها نفعاً لديننا، قال سبحانه: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).

فإننا كمسلمين المفروض أن موضوع الجائز والمشروع والحلال منتهي مفروغ منه عندنا؛ أعني أن ذلك معلوم ومن المسلمات فلا يجوز أن نختار من العمل والجهاد إلا ما كان كذلك فإن ما عند الله لا ينال بمعصيته، ودين الله ورايته لا تنصر ولا ترفع بالحرام فضلا عن الكفر أو الإشراك، وهذا يجب أن يكون من البديهيات عند العاملين لهذا الدين ومن ألف باء أنصاره ومجاهديه.. ومن ثم فالمسائل لا ينبغي أن تعالج وتطرح على بساط البحث من هذا المنظور وحسب، بل كما قلنا مرارا وتكراراً يجب أن يراعى في معالجتها واختيارها الأنفع للجهاد والأصلح للمسلمين والأنكى لأعدائهم..

أقول.. لماذا عندما تتعلق المسألة بمطعمنا ومشربنا أو ملبسنا ومنكحنا لا نقنع في البحث والنظر فقط في الجائز والمباح والمشروع؛ بل نصطفي من ذلك لأنفسنا أطايب الطعام والشراب واللباس وحسان النساء..

أما عندما تتعلق المسألة أو الاختيار بالدين والدعوة والجهاد نقبل له ونقنع بأي شيء، وجميل بل رائع وكثير – وربما يمن بعضنا – إذا كان ذلك في نطاق المباح أو المشروع أو الجائز وسلم من الحرام!!

أليس مباحاً وجائزاً ومشروعاً مثلاً أن تتزوج امرأة شلاء عوراء برصاء، لا شك أن ذلك جائز ومشروع ولك فيه أجر، فلماذا إذن تحرص وتفتش وتجتهد على أن تختار المعافاة بل والجميلة..؟؟

وتحضرني هنا لطيفة لعلي ألطف بها جفاف الموضوع فقد حدثني أحد إخواننا الذين كانوا في البوسنة أن مجموعة من الشباب العرب طلبوا من بعض المجاهدين هناك أن يسعى في تزويجهم ببعض الأخوات البوسنيات اليتيمات بدعوى الستر عليهن وكفالتهن وذكروا ما تعرضت له البوسنة من مذابح واغتصاب واستباحة للأعراض وأظهروا شفقتهم وحرصهم وألحوا عليه في ذلك، فواعدهم الأخ أن يرد عليهم بعد أيام ثم أعادوا الإلحاح عليه في الأمر، فقال لهم: لقد فكرت في طلبكم وأقدّر لكم حرصكم ونخوتكم، وأنا أعرف أخوات كثيرات فقيرات ويتيمات في كثير من دول أفريقيا كأثيوبيا والصومال ونحوها وسأسعى لكم إن شئتم للزواج منهن وكفالتهن!! فما كان من أولئك الشباب إلا أن واعدوه كما فعل هو أولاً ليردوا عليه بعد أيام؛ إلا أنهم ذهبوا ولم يرجعوا!!

أقول: لماذا خرجوا ولم يرجعوا؟ أليس ذلك الذي عرض عليهم جائز ومشروع بل وفيه أجر؟!

أم أن المسألة هنا لا يكتفى ببحثها في نطاق الجائز والمشروع، بل تدقق وتحقق في مجال الأفضل والأكمل والأحلى والأجمل!!

يا إخواننا أيصح أو يعقل أن لا نرضى لمطعمنا وملبسنا ومنكحنا إلا بمعالي الأمور وصفوتها، ونقنع لديننا وجهادنا ودعوتنا بسفاسفها..؟

حفظ الله أم نضال الفلسطينية تلك المرأة التي بعثت ابنها محمود إلى مستعمرة يهودية في فلسطين فاقتحمها برشاشه وقنابله بعد أن كمن سبع ساعات ينتظر صيده فقاتل وقتّل حتى قتل، وحين سئلت أمه عنه بعد مقتله، قالت فيما قالته أنها كانت تعده لمثل هذا اليوم، وكانت تمنعه من المشاركة في رجم اليهود بالحجارة كي لا يصاب بطلقة تعيقه عن القيام بما تدخره له من عمل عظيم تتمناه له، وتقول له: أنا أريدك لشيء أكبر من رجم الحجارة، وتقول: عندي ستة أولاد مستعدة كي أقدمهم في سبيل الله لكن بعمل مشرف مثل الذي قام به محمود..

متى ينضج الشباب المجاهد فيعمل فكره على هذا النحو وأعظم منه؟ إن ثلاثة أرباع جهودنا وأموالنا وتضحيات إخواننا مبعثرة اليوم بسبب قصر نظرهم أو قصر نظر رؤوسهم وقادتهم في أعمال مرجوحة مفضولة بدعوى أنها أعمال مشروعة!!

فمتى يتوجه جهدنا ويتركز جهادنا على مراعات الأصلح والأنفع للأمة؟ وعلى اختيار الأسدى والأجدى لها والأنكى في أعدائها؟

ولا يتوقف عند حدود الجائز والمشروع وكفى، بل يغوص في أعماق الجائز والمشروع فيختار وينتقي منه الأشرف والأعظم والأنقى مما يرفع راية الجهاد مشرقة ناصعة..

قلت لمحدثي – وهو ممن حكم بالسجن المؤبد لتفجير بعض دور السينما والخمارات ثم نضج وارتقى تفكيره عن ذلك المستوى مع طول فترة السجن وطلب العلم فيه – قلت: إذا لم يعجبك كلامي هذا ولم تقنع به فإن خرجت من السجن فارجع إذن إلى تفجير دور السينما والخمارات مرة أخرى، في وقت يتطلع فيه المسلمون اليوم إلى عظائم الأمور ويتصدون فيه لأعتى قوى الأرض جاهدين أن تكون لهم دولة وكلمة في إدارة هذا العالم ودحر الكفر فيه؛ وهم بحاجة لتحقيق مثل هذه الغاية لكل جهد ولكل قطرة دم ولكل مخلص ومجاهد؛ دع أنت عنك المشاركة في هذه المعالي وارجع وافتح الحرب على فساق المسلمين وعوامهم وفجّر دور السينما التي يرتادونها..

أليس هذا جائزاً ومشروعاً وإنكاراً للمنكر..؟!..

قال: لا أفعل هذا ولا أبدأ به فقد فهمت وتعلمت وأصبو لما هو أعظم..

قلت: إذا لم يستوعب عقلك ما قلته لك ففهمك وعلمك لا زال بحاجة إلى نضوج، وما فهمت بعد ولا علمت الفهم والعلم الذي يتناسب مع الواقع وتحديات العصر وحاجات ديننا وأمتنا..

فإذا تأملت الضجة التي حصلت على إثر إعلان نشر صور ذبح ذلك الأمريكي الذي يسمى في عرف زماننا مدنيا، مع قطع رأسه عيانا على شاشات التلفزة بعد ذبحه والذي يعده بعض أهل العلم من التمثيل..

وتابعت استغلال أعداء الله وعلماء السوء لهذه الحادثة وتوظيف الأمريكان والطواغيت لها لتشويه الجهاد وأهله والتشنيع عليهم وتنفير عوام المسلمين عموما والعراقيين خصوصاً عن المجاهدين، وغير ذلك من المفاسد دون فائدة أو عائدة عظيمة لإعلان ذلك وإشهاره وتبنيه؛ علمت أن من فعل ذلك لم يكن موفقاً في اختياره هذا، وأنه كي يفوت على أعداء الله هذا كله فيجب عليه أن يرتقي بتفكيره إلى معرفة حقيقة المعركة مع أعداء الله اليوم وحقيقة أسلحتها وأدواتها؛ وأنها لا تتوقف على ذلك السكين الذي ذبح به ذلك الأمريكي وأن النضوج وسعة الأفق في فهم الجهاد وأدواته ليس في كبر ذلك السكين وعظمه وإنما في شمولية الجهاد وأدواته للإعلام وغيره وتوسع مدارك أهله له، ونضوج اختياراتهم؛ فتارة يتركون أشياء وأعمال لأمور أهم، وتارة يقدمون شيئاً على شيء لتوقيت معين، وتارة يفعلون ويختارون دون أن يتبنوا ويعلنوا وتارة يعلنون ويشهرون ما فيه مصلحة خالصة وعملا نقياً لا ينتطح عليه عنزان ولا يماري فيه إنسان، فإن هم فعلوا ذلك وظفوا إعلام الأعداء إضافة إِلى إعلام المجاهدين ووجّهوه كما يريدون هم، لا كما يريد أعداؤهم إذ لم يتركوا مجالاً لهم في استغلال عثرة أو توظيفها لأهدافهم ومآربهم الخبيثة، ومثل هذا الأمر لا يكفي لتحقيقه والنجاح فيه علم الشرع وحده وإن كان ضرورياً بل لا بد معه من متابعة ذكية وحثيثة للواقع ومجرياته والأعداء ومكايدهم وتأمل في ظروف الأمة وأحوج حاجاتها وأعظم مصائبها..

وإذا قلت لي يا شيخ؛ لقد أبعدت النجعة وضيقت واسعاً فرسول الله صلى الله عليه وسلم قتل بعض الناس صبراً (أي في الأسر) وقتل غالبية رجال بني قريظة وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم..
قلت: أجل، ولا أشك أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ولو تدبرته وفهمته وحلّلته وتأملته أفلحت كل الفلاح..

ولذلك نص العلماء المحققون المتبصرون بذلك الهدي العظيم على تخيير الإمام في الأسارى بين المن أو الفداء أو تبديل أسارى المسلمين بهم أو القتل أو غير ذلك من الاختيارات بحسب دين الأسير وشدة عداوته وخطره..

والاختيار في ذلك كله يرجع كما نصوا إلى (ما هو أحظى وأنفع وأصلح للإسلام والمسلمين).. تأمل؛ عدنا إذن إلى الأحظى والأنفع والأصلح؛ وهذا الذي ندندن حوله ونحث عليه ونوجه المجاهدين دوما إليه في كل أبواب الجهاد اليوم..

ولو تأملت واستقرأت معي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأسارى لرأيت أنه لم يكن يجري فيهم على سياسة واحدة، بل كان يمن تارة كما فعل مع ثمامة بن إثال وتارة يقبل بالفداء والعوض وتارة يقتل بعضهم قوداً وقصاصاً أو غيره كما فعل مع العرنيين الذين ارتدوا وقتلوا الرعاة وسملوا عيونهم فاقتص منهم مثلا بمثل.. وقتل بعض الكفار وهو متعلق بأستار الكعبة مشهراً قتله على رؤوس الناس تأديباً لكل طاعنٍ في الدين محاربٍ أو هاجٍ للإسلام والمسلمين.. وهو في كل ذلك لم يقتل صبراً وبهذه الطريقة المعلنة إلا أشد الناس عداوة له ولدينه..

فعبد العزى أو عبد الله بن خطل الذي قتله صلى الله عليه وسلم وهو متعلق باستار الكعبة كان من بين بضعة نفر أهدر صلى الله عليه وسلم دمهم يوم فتح مكة من بين سائر الناس الذين كفروا بدينه وحاربوه، وذلك لشدة عداوة هؤلاء النفر وحرابتهم وهجائهم للإسلام والمسلمين..

فعبد الله بن خطل كان قد أسلم فبعثه رسول الله وبعث معه رجلا من الأنصار فقتل الأنصاري وارتد مشركاً وصار يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان له قينتان تغنيان بهجائه على مسامع المشركين فقتله النبي صبراً وقتل إحدى قينتيه كذلك..

ومنهم مُقيس بن صبابة وكان قد ارتد بعد إسلامه وقتل ولحق بالمشركين يطعن في رسول الله ويحاربه أشد الحرابة..

فتأمل تميّز جرائم من قتلهم صبراً عن سائر أهل مكة الذين أمنهم جميعاً.. فهؤلاء قد جمعوا بين الردة والقتل وخصوصية الحرابة والعداوة والطعن ولذلك استدل شيخ الإسلام بقتلهم صبراً من بين سائر مشركي مكة على وجوب قتل ساب النبي صلى الله عليه وسلم..

ومع ذلك فمن فرّ من هؤلاء وأسلم واستؤمن له عفى عنه كهبّار بن الأسود الذي عرض لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجرت فنخس ببعيرها حتى سقطت على صخرة وكانت حامل فأسقطت جنينها.. وكعكرمة بن أبي جهل وكقينة ابن خطل الأخرى وغيرهم..

ومن أسارى بدر لم يقتل صبراً من المقاتلين الأسارى إلا النضر بن الحارث الذي كان يسبه ويؤذيه بالقول والفعل أذىً شديداً ومثله عقبة بن أبي معيط والذي كان إضافة إلى مبالغته في أذى وتعذيب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الطعن في القرآن والنبي وآذاه وخنقه بردائه خنقاً شديداً ليقتله ووضع على ظهره سلى الجزور وهو ساجد.. فلم يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الأسارى صبراً غيرهما..

أما بنو قريظة فقد كانوا كما يقول ابن القيم في الزاد: أشد اليهود عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأغلظهم كفراً ولذلك جرى عليهم ما لم يجر على إخوانهم من يهود بني قينقاع والنضير.

فقتل مقاتلتهم كما في البخاري وذلك بعد أن نقضوا عهده وأعانوا كفار قريش وظاهروهم عليه وألبوهم وألبوا غطفان وغيرهم على حربه وكانوا سببا في وقعة الخندق فلا عجب أن يعاملهم صلى الله عليه وسلم بذلك من بين سائر اليهود ومع ذلك فمن عظيم فقهه صلى الله عليه وسلم ومراعاة منه لحدثاء الإسلام من أصحابه من الأنصار ودفعا لأي مفسدة متوقعة؛ لم يبادر هو إلى الحكم بقتلهم بل رد حكمهم إلى حلفائهم ومواليهم من الأوس، فاختار بنو قريظة بأنفسهم وقبلوا أن ينزلوا على أي حكم يحكمهم به حليفهم سعد بن معاذ فحكم رضي الله عنه بقتل مقاتلتهم..

وهكذا وبالاستقراء لم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قتل صبراً من أهل الحرب غير مقاتل أو مدني كما يسمونه اليوم بل لم يقتل حتى من المقاتلين صبراً إلا من تميّز منهم بغلظة كفره وشدة عداوته وحربه وسبه وهجائه له وللمسلمين، ولا شك أن في ذك حكمة منه بالغة ووسطية في الاختيار وعدم اكتفاء منه بالنظر في شرعية ذلك وجوازه وحسب، بل اعتباره لمصلحة الإسلام والمسلمين واختياره للأنكى في أعداء الله المحاربين، فيؤدب بذلك ويشرد به من خلفه من كل عدو محارب خبيث، ويميّز غيرهم ممن هم ليسوا بشديدي المحاربة له ولدينه ويدفعهم بذلك إلى التزام خطهم وعدم التعدي بالحرابة والعداوة.. إلى غير ذلك من المصالح التي تحققها هذه الوسطية والحكمة في الاختيار..

وسطية تختار أنكى وأشد أنواع القتل لأخبث الأعداء وأشدهم ضراوة ولا تساوي بهم في ذلك سائر الكفار فضلا عن غير المقاتلين ومن ذلك تجنبه في غالب أمره للمثلة ونهيه عنها وكفّه عن التمثيل بالمشركين الذي كان قد عزم عليه بعد أن رأى تمثيله بعمه حمزة رضي الله عنه.. مع أن العقوبة والجزاء والقصاص بالمثل جائز ومشروع لكنه صلى الله عليه وسلم علّم أمته الأخذ بالأعلى والأصلح والأنقى والأكمل من العمل والجهاد كما وجهه ربه بقوله: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) ثم أرشد للأفضل والأكمل فقال: (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين)، وقال سبحانه: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) ثم قال: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) وقال عز وجل: (والجروح قصاص) ثم قال: (فمن تصدق به فهو كفارة له) .

أقول: هذا الطموح الذي أحب دوماً لفت أنظار إخواني المجاهدين والدعاة إليه وأسعى جاهداً لتوجيه هممهم وآمالهم إِليه، وحث خطاهما نحوه، وتركيز جهودهم عليه، والارتقاء بتفكيرهم إلى مستوى الجهاد الإسلامي العظيم ونقاوته، واعتبار أعظم حاجات أمتهم ودينهم، لتصبح اختياراتهم لا محكومة فقط بفلك الجائز والمشروع تدور وتتردد فيه وحسب، بل كما أسلفت تغوص في أعماق الجائز والمشروع لتستخرج من الدرر ما هو أنفع للأمة والجهاد وأصلح وأجدى وأسدى..، وتربي قادة ودعاة ومجاهدين لا ينظرون إلى الجائز والمشروع والمباح نظرة سطحية؛ بل يجيلون النظر فيه ويمحصونه ويدققونه ليرجّحوا منه الأنفع لهذا الوقت أو ذاك، والأصلح من الأعمال والأجدى من الاختيارات والأنكى بل والأقطع للأعداء..

بل إني أذهب إلى أبعد من هذا فأقول أن الواجب عليهم أن يتعاملوا كذلك، مع الواجبات والفرائض أيضا خصوصاً عند تزاحمها وتعدّدها على أهل الإسلام اليوم..

فيقدمون الواجب المضيّق أو الراجح والاهم على الواجب الموسع أو المرجوح..

ففي الجهاد الذي ندندن حوله في حديثنا هذا لا ينبغي أن يحرّض الشباب بدعوى فرضية الجهاد على أي ساحة وعلى أي عمل وتحت أي قيادة.. بل الواجب عليهم مع تزاحم ميادين الجهاد وتعدد ساحاته وكثرة مآسي المسلمين والحروب المستعرة عليهم والأعداء المحاربين لهم والمستبيحين لحرماتهم، أقول يجب عليهم في خضم هذا الواقع أن يختاروا الأولى والأهم والأرجح من الميادين التي يعوّل عليها نصر الإسلام والمسلمين والتمكين لهم ولدينهم، ويصطفوا أنقى الرايات وأنضج القيادات، ولا يكون انتقاؤهم مبنياً على الحماس الأجوف أو مدفوعاً ومتأثراً بتطبيل مشايخ وعلماء الحكومات أو تزمير إعلامهم وصحافتهم وفضائياتهم، بل محكوم كما قدمنا وكررنا بالأحظى والأنفع للإسلام والمسلمين والأنقى لجهادهم والأنكى والأقطع لأعدائهم..

وأن يقدموا ما كان من جنس جهاد الدفع على ما كان من جنس قتال الطلب، لأن جهاد الطلب فرض كفاية، أما جهاد الدفع ففرض عين، ولذلك اشترط العلماء في جهاد الطلب إذن الوالدين وإذن الدائن، بخلاف جهاد الدفع الذي لم يشترطوا فيه شيء من ذلك..

وليعلموا أن من جنس جهاد الدفع القتال الذي يختار تحرير بعض بلاد المسلمين من طغاة الكفر الداخليين أو الخارجيين والتمكين لأهل الإسلام ودينهم هدفاً لبرنامجه وغاية وأولوية في حساباته، ولذلك يقدم مثل هذا القتال على أي قتال آخر يكون طابعه النكاية المجردة أو أعمال الحسبة المبتورة والمنقطعة..

بل يقدم على هذا النوع الأخير ويقارب قتال الدفع السعي في فكاك أسارى المسلمين والقتال من أجل تخليص المستضعفين كما قال تعالى: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً)، وفي صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً: (فكوا العاني..) أي: الأسير.

ولذا قال النووي: (إذا أسر الأعداء مسلماً أو مسلمين فالراجح أن المسألة كدخول العدو ديار الإسلام (يعني كقتال الدفع) لأن حرمة المسلم أعظم من حرمة الدار، فيجب العمل على استخلاص الأسير أو الأسيرين) أهـ.

والعلم بهذا التفاضل والفقه به، والبصر بالواقع ومدى تفاوت الأعداء في خبثهم ودرجة عداوتهم وحرابتهم للإسلام والمسلمين يعين المجاهد على الترجيح بين الواجبات والفرائض المتعددة والمتزاحمة، فيقدم الواجب العيني منها على الكفائي والمضيّق الذي لا يحل السكوت عليه أو تأخيره كأن يكون في تأخيره هتك للأعراض أو استباحة للدماء المعصومة أو نحو ذلك فيقدم ذلك على ما هو أوسع منه من ولا يكتفى في الاختيار مع هذا التزاحم والتعدد بمجرد دعوى الوجوب أو الفرضية.. أسأل الله العظيم أن يهيئ للمسلمين من أمرهم رشداً وأن يسددهم لما يحب ويرضى.. هو ولي ذلك والقادر عليه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

قال لي بعض الإخوان ممن قرأوا بعض هذه الوقفات فحصروها على أشياء محدودة في أذهانهم: رفقاً ارحم قلمك أيها الشيخ..

فأقول: إنما أرحمه وأسعده بالدفع عن جهاد المسلمين وتنقيته من كل ما قد يشوبه أو يشوهه أو يحرفه ويحيد به عن الجادة..

فهذا الجهاد ليس ملكاً لأحد من الناس يستأثر بتوجيهه كيف شاء؛ بل جميع المسلمين فيه شركاء ويجب أن يحرصوا على تميزه ونقاوته ويعملوا على تسديده ويجتهدوا في ذلك بالمشاركة فيه وبالنصح والتوجيه والدعاء، وعلى من يحسبون كرؤوس ومرجعيات له كفل عظيم من ذلك..

ولا يجوز لهم بحال أن يداروا أو يداهنوا أو يقروا الانحراف أو التشويه فيه أو الخطأ؛ ولو صدر من أقرب الناس إِليهم.. وأن يقدّموا مصلحة الدين والجهاد والمسلمين على الأسماء والأشخاص..

فأقول له ولغيره تدبّر ما كتبته لك ولغيرك في هذه الأوراق فإنها أوراق ذات شجون بذلت فيها خلاصة نصحي للدعاة وللجهاد والمجاهدين، ولا تحصر تفكيرك وتحجّره وتصغره في التنبيش والبحث وقول أن الشيخ يقصد فلاناً أو علاناً أو نحو ذلك، فتحرم نفسك من خير عظيم فيها، فالأمر أكبر مما تظن ولم أعود نفسي أن أشغَلها بأشخاص معينين فضلاً عن أن أشتغل في دعاة أو مجاهدين نحسبهم إن شاء الله من أهل الصدق والإخلاص ولا نزكي على الله أحداً..

بل إني في كتاباتي هذه التي تقطر هماً وأسىً على جهادهم أرحمهم وأنصرهم أشد من نصرة السلاح والمال لو كانوا يفقهون، وذلك بالحرص على تسديد هذا الجهاد وتوجيهه إلى الأنفع والأحظى لدين الله، وتحذيره من الانحرافات وتجنيبه للعثرات والمشوّه من الثمرات..

(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب).
للعودة الى الفهرس

tawhed.ws | almaqdese.net | abu-qatada.com | mtj.tw
* إننا - في منبر التوحيد و الجهاد - نحرص على نشر كل ما نراه نافعا من كتابات ، إلا أن نشر مادة " ما " لكاتب " ما " ، لا يعني بحال ؛ أن ذلك الكاتب يوافقنا في كل ما نقول ، و لا يعني ؛ أننا نوافقه في كل ما يقول في كتاباته الأخرى ، و الله الموفق لكل خير . * إننا - في منبر التوحيد والجهاد - لا ننشر إلا لكتّاب غلب عليهم الصلاح والصواب يوم نشرنا لهم، فإذا ما انحرفوا وغيروا و بدلوا -وغلب ذلك على كتاباتهم - توقفنا عن النشر لهم دون أن نزيل موادهم التي نشرناها من قبل وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين !