utf-8
نظرات في سورة غافر
 الجديــد | محــرك البحــث | برنــامج المــنبـــر| خــارطــة المـوقــع | اتـصــل بنــا | تـجـاوز الحــجــب | الـمنــتــدى
مكتبة الشيخ المقدسي
منهاج السنة
عـقــيــدة أهـــل الـجـنـة
الــفــريــضــة الــغــائـبـة
كــــتــــب وأبـــــحــــاث
مـــــــــــــقــــــــــــــالات
قــــضـــايـــا فــقــهــيــة
التـــاريــخ و الســــــيـــر
حــــــــــــــــــــــــــوارات
أشـــبــــال الــتــوحــيــد
مـــــــــطــــــــويــــــــات
فــــــرق ومـــــذاهــــــب
مجــــــــــــــــــــــــــــلات
المجـموعـــات الإعــلامية
بــيــانـــــــات المــــنــبــر
عــــين على الأحــــــداث
كـلمـات سطرت بالدمــاء
صوت التوحيد
مـــــــرئــــــيـــــــــــــات
خـطـب ومــحـــاضـــــرات
حـــــــداء الـــمــجــاهـــد
عيون الكلم
مــخـتــارات شــرعـــيـــة
الــجـهــاد والــشــهـــادة
الأخــــلاق والـــرقــائـــق
الـــواقــع الــمــعــاصـــر
مــوضــوعـات مــتـنـوعـة
 منبر التوحيد و الجهاد منهاج السنة مقالات نظرات في سورة غافر

نظرات في سورة غافر
Share


                        الكاتب : عمر عبد الرحمن
صندوق الأدوات
حفظ المادة
طباعة
إلى المفضلة
تنبيه عن خطأ
إلى صديق
محرك البحث
بحث في الصفحة
بحث متقدم » 

شارك معنا
شارك معنا في نشر إصدارات المجاهدين. . . رسالة إلى كل من يملك كتاباً أو مجلة أو شريطاً . . . تتمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد...

فيقول رب العزة تبارك وتعالى: {مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}.

هذه الآيات من مطلع سورة غافر، وهذه السورة تمثل معركة واضحة بين الحق والباطل، فيها الصراع العنيف، وفيها الأخذ والشدة، وفيها الجذب والقوة... صراع قائم بين الحق والباطل على امتداد التاريخ، يبذل فيه الباطل كل قوته، وكل عمقه، وكل ما يملك من أسلحة... لكن الحق يسطو على الباطل، فيضربه ضربة؛ تُزهِق روحه، وتُذهِب حياته، مهما فشا الباطل، ومهما كثر أهله، وقويت عدته.

هذه السورة تبدأ؛ بأن القرآن نزل من عند الله.

ثم تذكر بعض صفات الله تبارك وتعالى لعباده...

{تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}...

  • فهو القوي القاهر؛ الذي لا يُغالب، والذي كل من عاداه فهو هالك لا محالة.

  • وهو العليم؛ كل أمره سبحانه بعلم وحكمة وتدبير.

  • وهو الذي يغفر الذنب ويقبل التوب؛ {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}، فعلى العبد أن بأتي إلى باب ربه، وأن يندم على ما فات، وأن يقلع على الذنب، ويصر على أن لا يباشره، فإذا ربه يتكرم عليه؛ فيغفر ذنبه، ويقبل توبته.

  • والله سبحانه وتعالى؛ شديد العقاب، يعاقب كل من يستمر ويصر على الذنب... كل من يعادي دعوة الله، وكل من يؤذي الدعاة، وكل من يكيد بهم ويمكر بهم؛ يقتلهم الله قتلاً، ويأخذهم أخذ عزيز مقتدر.

    {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ}؛ ذي الفضل والإنعام، فهو المنعم على عباده، وهو الذي يغمرهم بنعمه التي لا تحصى ولا تعد.

    ثم تذكر كلمة التوحيد {لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}؛ منه البداية ومنه النهاية، إليه المصير، فالمرجع والمآب والمنتهى إليه سبحانه، {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى}، {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ}.

    ثم تأخذ السورة في بيان المعركة القائمة بين الحق والباطل...

    معركة عنيفة شديدة، فيها الحق ملء الوجود كله، في السموات والارض، والبر والبحر، والرطب واليابس، الإنسان والحيوان والنبات والجماد... كل شيء يعترف بوحدانية الله، مقر بإلوهية الله وربوبيته، ممسك بالحق، قائم عليه.

    هذا اجماع من الوجود، بكل اتجاهاته وكل أنواعه، لا يخرج عن هذا الإجماع إلا من يسمون بـ "الذين كفروا"، فهم شذوذ على هذا الاجماع.

    {مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا}؛ لا يجادل أحد في هذا الكون الفسيح الواسع... لا يجادل أحد في وحدانية الله وإلوهيته، لا يجادل أحد في قيام هذا الوجود على الحق الأصيل، الكل مجمع عليه، لا يخرج على هذا الإجماع إلا نشاز وأفراد من هذا الوجود، هم "الذين كفروا".

    هم وحدهم الذين يجادلون في آيات الله، فإذا كانت معهم بعض مظاهر القوة أو الحركة أو العُدة، فلا يغرنك هذا، إنما هو متاع قليل، وإنما هو عرض زائل، وإنما هذا كله زبد وأمر عما قليل ينتهي، فلا يغررك تقلبهم في البلاد... هذا الإجماع القائم على الحق، لا يضيره خروج بعض أفراد منه ليكونوا من أهل الباطل.

    وأهل الباطل يُجمعون قوتهم وجنودهم وسلطانهم، ليحاربوا الحق في كل مكان، وليجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، فإذا كان قومك أيها الرسول الكريم قد جادلوا بالباطل؛ فإن هذا أمر قديم على امتداد الزمان؛ {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ}، وكلما جاء رسول هَمّ قومه بأن يؤذوه ويعذبوه؛ {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ}.

    فماذا كانت النتيجة؛ حينما يتجمع أهل الباطل ويضعون العراقيل في طريق الحق وأهله؟!

    إذا بالضربة العظمى، وإذا بالقوة الكبرى تلاحق أهل الباطل... ضربة تقصمهم قصماً وتأخذهم أخذاً.

    {فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}؛ كيف كان عقابي؟... كان عقابك يا رب عقاباً أليماً، وكان عذابك عذاباً شديداً... كانت الضربة شديدة، وكان الهلاك قاصماً للباطل وأهله.

    {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}؛ كان العقاب شديداً لأن العالم كله لا يستطيع أن يملك قوة أمام قوة العزيز الجبار، المنتتقم القهار... {فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}.

    وكذلك؛ كلما تجمع أهل الباطل، وظنوا أنهم قادرون على أهل الحق؛ قصمهم الله قصماً وأخذهم أخذاً شديداً، {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}.

    والله سبحانه إذا أمهل أهل الباطل، وتركهم يستعملون قوتهم ونفوذهم، وليستعملوا مالهم وثروتهم، وليستعلموا حكمهم وسلطانهم في ضرب أهل الحق؛ فإنه إذا أمهلهم لا يهملهم أبداً، بل يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ويمكر بهم، ويحبط مكرهم وكيدهم ومؤامراتهم بالمسلمين... ونحن نرى أهل الباطل كلما كانت لهم صولة وجولة؛ قصمهم الله وأخزاهم وأذلهم.

    وهكذا تستمر المعركة بين الحق والباطل...

    وأهل الحق معهم الوجود كله؛ معهم حملة العرش ومن حوله: {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا}...

    حملة العرش ومن حوله؛ يستغفرون للذين آمنوا، وما الذي يشغلهم بالذين آمنوا؟! وما الذي يجعلهم يفكرون بالذين آمنوا من الناس؟! لأن بين حملة العرش ومن حوله وبين المؤمنين بالله صلة قوية، بينهم صلة قوية ورابطة أكيدة، وهي الإيمان بالله، حملة العرش يؤمنون بالله، والناس المؤمنون الموحدون يؤمنون بالله أيضاً، فلماذا لا ينشغل حملة العرش ومن حوله بالاستغفار للمؤمنين والدعاء لهم، {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا}.

    هذا الوجود مشغول كله بأهل الحق، مشغول كله بالمؤمنين، حتى حملة العرش - وهم أرفع قدراً، وأعلى مكانة - منشغلون بالتسبيح بحمد ربهم والاستغفار للذين آمنوا والدعاء لهم، بعد الحمد والثناء والأدب مع الله؛ {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ}.

    وهكذا نجد أن الملائكة مشغولون بأهل الحق، مشغولون بالذين آمنوا، وأن الوجود كله يقف مع أهل الحق، فإذا ظهر للناس أنهم قلة؛ فليعلم الجميع أن الوجود كله معهم.

    وهكذا نجد الباطل وهو يستعمل كل ما معه من قوة وسلطة لضرب أهل الحق... ولن يصلوا إلى ذلك، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلاً.

    وسورة غافر تبين؛ أنه كم من الأقوام تجبروا وتكبروا، فأخذهم الله بذنوبهم، ليس لهم ولي يدفع عنهم، ولا ناصر ينصرهم، {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ}... جائتهم رسلهم بالبينات فكفروا، فأخذهم الله، {إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.

    استعلى فرعون بقوته وجنوده ومعه وزيراه - هامان وقارون - حينما جاءهم الحق؛ رفضوه، وقالوا: {سَاحِرٌ كَذَّابٌ}، جاء موسى بآيات الله وبحجج ظاهرة؛ {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ}، لما جاءهم الحق من عند الله بماذا قابلوه؟ باستعمال سلطتهم وقوتهم؛ {فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ}.

    ويذكرنا هذا القرار بقرار صدر من فرعون سابق في الوقت الذي ولد فيه موسى عليه السلام، صدر قرار من فرعون بقتل أبناء بني إسرائيل، ويستبقي النساء... فهل هذا قرار غيره؟ وهل فرعون الذي أصدر الأول هو الذي أصدر القرار الثاني، أم أنه غيره؟ كل ذلك محتمل، أن يكون فرعون الذي أصدر القرار الذي يصاحب ميلاد موسى عليه السلام هو الذي أصدر القرار الثاني: {اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ}... وقد يكون فرعون ورث فرعون، يكون الذي أصدر القرار الثاني هو ولي العهد، وقد تسلم الملك لأن أباه قد مات، فهو يستعيد القرار، لكن القرار الثاني مسلط على الذين آمنو بموسى: {اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ}... وظن أهل الباطل أنهم تمكنوا من الحق وأهله، وأنهم يكيدون لهم، لكن الآية ترد: {وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ}.

    ويرى فرعون - ممثلاً لأهل الباطل - أن الحل الوحيد أن يقتل موسى ويتخلص منه، بحجة أنه يخاف من موسى أن يبدل دينهم! أو أن يظهر في الأرض الفساد!

    وهذا أمر عجب! أن يقول فرعون الضال الوثني عن موسى عليه السلام الداعي إلى التوحيد، يقول ضروري أقتل موسى: {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}، هل هناك ما هو أعجب من ذلك؟! أليس هذا هو عين كلام كل طاغية وهو يواجه المؤمنين؟! أليس هذا الكلام هو عين ما يواجه به الظلمة دعاة الحق؛ {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}.

    لكن موسى يلجئ إلى الركن الركين، وإلى الحصن الحصين، وإلى الحمى الذي لا يغالب، يلوذ بالجناب القوي المتين، يلجئ إلى ربه، فقال موسى: {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ}، عذت بربي وربكم... فهو يوحد الله، ويبين أنه رب الجميع، وأنه لا رب غيره ولا إله سواه، وأن يوم الحساب؛ لا يوجد التفكير فيه في قلب أي متكبر، فإذا وجد الكبر فإنه لا يفكر في يوم القيامة أبدً؛ {مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ}.

    وبينما الأمر كذلك، وبينما الصراع قائم محتد بين موسى وفرعون، بين الإيمان والطغيان، إذا برجل مؤمن من آل فرعون يظهر، لكنه في حذر وحيطة، إنه يكتم إيمانه، ولا يريد أن يظهر للسلطة ولا للقوة، لئلا يأخذوه أخذاً... إنه يتكلم في حذر ويتحدث في حيطة، لكن لا يمنعه الحذر والحيطة من أن يعلن الحق ويدافع عنه، إنه رغم حيطته وحذره، وعلى الرغم من أنه يكتم إيمانه؛ فإنه يدافع عن الحق.

    ليس معنى أن يكتم الإنسان إيمانه، أو أن يكون في حيطة وحذر، أن يترك الحق ذبيحاً أو جريحاً، ليس معنى أن الإنسان يواري نفسه من السلطة، أو يمنع نفسه من هؤلاء... ليس معنى ذلك؛ أنه يخذل الحق، ولا يقف بجانب الحق.

    على كل مسلم؛ أن يقول الحق، بأي أسلوب يراه، لكن الحق يجب أن يُقال، وأن يُعلن به، وأن يظهر أمام الناس.

    ها هو الرجل الذي يكتم إيمانه من آل فرعون؛ انه لا يمتنع أبداً عن أن يقول الحق، فهو يواجههم... يواجه السلطة والقوة، ويواجه الحكم والنفوذ، ويواجه المطبقين على عبادة فرعون... يواجههم فيقول: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ}، أرأيتم هذه القوة وهو يبين الحق ويعلنه، مع أنه يكتم إيمانه؛ فهذا الذي فعله موسى يستوجب أن تقتلوه؟! إن كل ما يقول موسى هو؛ ربي الله، ثم لم يقل موسى هذا من فراغ، قاله ومعه حجته ومعه برهانه ودليله، {وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ}، فهو لم يذكر شيئاً دون برهان، أو خالياً من الدليل، إنما ذكره ومعه برهانه، و {جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ}.

    وهكذا؛ بدأ الرجل الذي يكتم إيمانه في الدفاع عن الحق، ما قال؛ إن السلطة والقوة، وإن الإطباق على الكفر، وإن عبادة فرعون، تمنعني من أن أقول الحق! بل قالها في حيطة، وقالها في حذر: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ}.

    ثم أخذ يورد عليهم الاحتمالات؛ موسى قد يكون صادقاً وقد يكون كاذباً، فإن كان كاذباً فعليه كذبه، لكنه لا يستوجب ذلك الكفر، وإن يكن صادقاً يصلكم بعض الذي يعدكم!

    وهكذا استمر مؤمن آل فرعون في إظهار الحق الذي يؤمن به.

    وختم هذه الفقرة الأولى من كلامه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ}، وهذا يصح أن يقع لموسى وأن يقع لكن، فإذا كان موسى هو الذي فعل هذا؛ فالله ينتقم منه، ينتقم من كل مسرف كذاب، فلا تكونوا يا قوم من المسرفين الكذابين، حتى لا يقع بكم عقاب الله.

    واستمر مؤمن آل فرعون وهو يحذرهم بأس الله وعذابه، وعقابه الذي لا يرد عن القوم المجرمين؛ {فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا}، إذا جاء بأس الله وعذابه فمن الذي يستطيع دفعه؟ ومن الذي يقدر على ربه؟!

    وهكذا أخذ مؤمن آل فرعون في بيان الحق...

    ولكن فرعون استشعر أن هذا الحق خطر عليه، فأخذه ما يأخذ كل طاغية، ما يأخذ كل متكبر جبار، ما يأخذ كل ظالم، من نعرة، ومن شدة، ومن بيان؛ أن رأيه هو الصواب، {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}؛ فما أراه هو الحق! وما أهديكم إليه هو سبيل الرشاد، وأي رأي مع رأيي يجب أن يبدد وأن يذهب، وأي قائل لرأي آخر يجب أن تقطف رأسه ويقطّع لسانه... هكذا يكون الطغاة دائماً ويكون الظلمة، لا يقبلون رأياً مع رأيهم، ولا يسمحون لأي شخص آخر أن يتحدث معهم، بل يلقون في روع الجماهير؛ أن كلامهم هو الصواب، وأن ما يدعون إليه هو سبيل الرشاد، وأن قرارتهم لا معقب عليها... هكذا يكون الطغاة ويكون المستبدون، وإن ظهروا أمام الناس أنهم يعلنون القانون أو الديمقراطية.

    هكذا قال فرعون، {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}، فهل سكت مؤمن آل فرعون، وقال؛ "لقد بينت من الحق قسطاً، ويكفي عليّ هذا"؟!... كلا والله! إنما استمر هذا الرجل وهو يعلن الحق، يعلن الحق وهو يكتم إيمانه، يعلن الحق وهو يرى السلطة والقوة والكل مطبق على ملك فرعون وعبادة فرعون.

    هكذا يقول الحق، فما بالنا بالذين يظهرون إيمانهم لا يقولون الحق، ويظلون صامتين؟! وهم ينبغي أن يعلموا أنهم بصمتهم إنما يعينون أهل الباطل على باطلهم.

    إن صمت الجماهير؛ إنما هو مشاركة لأهل الباطل ولأهل الظلم والطغيان في باطلهم وظلمهم وطغيانهم، إن هذا الصمت المطبق يجعل أهل الباطل يظنون أن الناس قد اقتنعوا بباطلهم، وأن هذا الذي أظهروه للناس قد استقر في قلوبهم أنه الحق، إن هذه مشاركة من الجماهير في طغيان الطاغي وظلم الظالم، واستمرار أهل الباطل في باطلهم.

    إن مؤمن آل فرعون وهو يكتم إيمانه استمر يحذر قومه، يحذرهم من كلام فرعون، ويحذرهم من الطغيان المفروض عليهم، ويحذرهم من الاستبداد الذي فرضه فرعون على قومه، فأخذ يذكّرهم...

  • يذكّرهم مرة بتاريخ السابقين ومصارع المكذبين.

  • ويذكرهم مرة بيوم القيامة والموقف العظيم؛ {وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ}، من هؤلاء الأحزاب؟ {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ}، هؤلاء الأحزاب الذين هلكوا وضربتهم يد القدرة فاهلكتهم وجعلتهم صرعى... أحذركم يوماً مثل يومهم... يوم الأحزاب؛ وجعل للأحزاب يوماً واحداً، مع أن لكل حزب يوماً! ولكل قوم مصرعاً! جعله يوماً واحداً لأنه متشابه، لأن هذه الأيام قد تشابهت... تشابهت في صراع المكذبين وهلاكهم فهو يوم واحد... قوم نوح، وعاد، وثمود، والذين من بعدهم، فما الله يريد ظلماً للعباد، إنما يجازيهم بما يعملون.

    فإذا ذكرهم بتاريخ السابقين فهو يذكرهم بيوم القيامة ويسميه "يوم التناد"؛ {وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ}، وهو "يوم التناد" لأن فيه نداء من هنا ومن هناك...

  • نداء أصحاب الجنة لأصحاب النار.

  • ونداء أصحاب الأعراف لأصحاب الجنة وأصحاب النار.

  • ونداء أهل النار لأهل الجنة.

  • ونداء الملائكة لمن في الموقف.

    إن فيه هذا التصايح وهذا الصراخ الذي ينطلق في جنبات الموقف العظيم، إنه يوم التصايح ويوم الصراخ والعويل، ويوم تنادي كل جماعة جماعة أخرى، لأن الهول شديد والموقف رهيب.

    {أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}، ليس له هاد... الذي يضلله الله لا يهديه فرعون ولا يهديه غيره، الذي يدعي أن رأيه هو سبيل الرشاد.

    وهكذا يُذكّر مؤمن آل فرعون، ويصرخ بهم، ويرفع صوته شيئاً فشيئاً، وكان في أول الأمر؛ صوته هادئاً، ولكنه حين يقول الحق نسي نفسه، ونسي أنه وسط فرعون وآله، وعلى سلطته وقوته، نسي هذا الرجل في دفئ الحق وحرارته، نسي أنه يحذر وأنه يحتاط... فإذا بصوته يرتفع، وإذا صوته يدوي في الآفاق بعد أن كان هادئاً، وبعد أن كان الصوت مسموعاً على [ضعف]... إذا صوت مؤمن آل فرعون يدوي في الناس بقوة وحزم، يعلن الحق وإن كان مراً.

    {قَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ}؛ سبيل الرشاد عندي، لا عند فرعون، سبيل الرشاد ما أدعوكم إليه، لا ما يدعوكم إليه فرعون، إن فرعون قال بالنص: {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}، يبين مؤمن آل فرعون [...] [2] واضحة صارخة بين الحق والباطل، مؤمن آل فرعون يواجه فرعون في دعواه: {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}، قال: "لا! ليس سبيل الرشاد عند فرعون، إنما سبيل الرشاد هو ما أدعوكم إليه".

    {يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ}؛ فأبين لكم الحق بين الدنيا والآخرة، فالدنيا متاع... ومتاع قليل، زائل، عارض، ذاهب، وإن الآخرة هي دار القرار.

    واستمر مؤمن آل فرعون يعلن عن الحق الذي يدين الله به، غير هَياب ولا وجل، لا يخاف سلطة فرعون وقوته، ولا يخاف تكبره ولا جبروته؛ {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}.

    ثم أخذ يفرق بين عمل السيئة والحسنة، وما يكون عليه الجزاء في الآخرة، فيبين فضل الله ورحمته؛ فالسيئة لا يُضاعف عقابها، أما الحسنة فإنها تُضاعف إلى عشر... إلى ما هو أكثر من ذلك، {مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ}.

    وهكذا يستمر هذا الرجل وهو يبين من يدعو إلى الجنة ومن يدعو إلى النار، فيدعوهم إلى الجنة، يدعوهم إلى النجاة، وهم يدعونه إلى النار، هو يدعوهم ليؤمنوا بالله العزيز الغفار، وهم يدعونه ليكفر بالله ويُشرك به... فليقارنوا بين الدعوتين؛ هؤلاء الأصنام ومن يعبدونهم من دون الله - من أمثال فرعون - ماذا يملكون؟ لا يملكون دنيا ولا يملكون آخرة، وأن مرجع الأمور والأشياء والأشخاص إلى الله، وأن الذين يُشركون ويبتعدون عن الطريق الحق هم أصحاب النار.

    ثم ختم الرجل كلامه بأنهم سيتذكرون هذا الكلام، لكن في موقف لا ينفعهم فيها التذكر: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}.

    وهكذا يستمر الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل، ويبذل أهل الباطل كل قوتهم وجمعهم وأسلحتهم ونفوذهم، ليضربوا أهل الحق، وليسكتوهم عن الحق الذي يهددهم ويهدد سلطانهم... فهل هذا يكون؟ وهل هذا يقع؟ أن يملك أهلُ الباطل فيسكتوهم؟

    إن الله سبحانه وتعالى وعد أهل الحق بالنصر، لا بالآخرة فقط بالثواب العظيم، ولكن في الدنيا؛ {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}، وينتصر الحق رغم قلة أهله، ورغم قلة ما معهم من عدة وعتاد، ينصرهم الله ويشد أزرهم ويمدهم بمدد من عنده.

    و [النصر لا يكون فقط في ميدان فيه] مواجهة بين فريقين من الجنود، هذا ينتصر لأنه يتغلب على الفريق الآخر، ليس النصر قاصراً على هذا الميدان، إنما النصر له صور مختلفة وأشكال متعددة.

  • فإبراهيم عليه السلام قد انتصر... لم ينتصر فقط عندما نجاه الله من النار، بل انتصر عندما قُذف في النار، عندما قُذف في النار انتصر إبراهيم عليه السلام لأنه ثبت على الحق الذي دعا إليه حتى ألقوه في النار، وانتصر إبراهيم مرة أخرى يوم أن أنجاه الله من النار.

  • إن الحسين رضي الله عنه قد انتصر، رغم أنه قُتل في سبيل الله، ورغم أنه خرج ومعه أفراد قلائل ليواجهوا دولة ظالمة، انتصر الحسين، انتصر وهو المقتول، انتصر وهو المغلوب في نظر الناس، انتصر الحسين فظل اسمه يدوي، وظل علما مرفوعاً على أهل الحق وعلى القائمين للحق والثابتين على الحق، انتصر الحسين رضي الله عنه رغم أنه استشهد في سبيل الله.

    فليس معنى النصر هو ما نعرفه من وقوف فريقين يغلب كل منهما الآخر، ليس هذا هو النصر، إنما النصر ما يُلقيه الإنسان من دروس على امتداد التاريخ، لقد سقط شهداء في الستينات والسبعينات والثمانينات، سقط شهداء؛ فكانت شهادتهم أقوى نصراً وأكثر غلبة مما لو كانوا بقوا في هذه الحياة، {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}.

    وهكذا تصور هذا السورة المعركة القائمة بين الحق والباطل، وتحث الناس على أن يقفوا بجانب الحق ولا تغرهم سطوة الباطل ولا قوة أهله، إنما هو عرض عما قليل ينتهى، {فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ}.

    كونوا مع الحق، وقولوا الحق وإن كان مراً، واصمدوا في موقفكم، وثبتوا أقدامكم، وادعوا الله أن يقويكم وأن يمدكم بمدد من عنده.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    * * *

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    أما بعد...

    فيا عباد الله...

    أوصي نفسي وأوصيكم بتقوى الله، ولنتعلم من سورة غافر...

  • نتعلم تحمل الإيذاء والتعذيب؛ وأنت تقول الحق وتدعو إليه، وأنت ثابت في مكانك، لا يغررك تقلب أهل الباطل في البلاد، ولا ما معهم من قوة ومن مال ومن نفوذ، لا يغررك هؤلاء، {مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}.

  • تعلم الصبر من سورة غافر؛ وهي تدعو المصطفى صلى الله عليه وسلم - مرة بعد مرة - بأن يصبر، وتبين له أن وعد الله حق، وعد الله بالنصر، وبغلبة المؤمنين، وبأن جند الله هم المنصورون... وهم الغالبون، وأن حزب الله هم المفلحون، {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}، فإن وعد الله حق: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ}، فلا بد أن تصبر، ولا بد أن تذكر الله، وأن تسبحه بالعشي والإبكار، فلا بد أن يكون مع الصبر؛ تسبيح وذكر.

    فهكذا توجه سورة غافر؛ المؤمنين، عباد الله، الدعاة إلى سبيله، وإلى الحق الذي يؤمنون به.

    ثم تدعو سورة غافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في آيات أخرى منها: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}، فسواء رأيت ما نَعد به أو توفاك الله، فإن وعد الله واقع وثابت لا محالة، فالمرجع والمئاب إلى الله: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}.

    وهكذا تعلمنا سورة غافر - ونحن نستمسك بالحق - ماذا نصنع، علينا أن نصبر وأن نتحمل الإيذاء والتعذيب، وإن نتحمل السجن والاعتقال، فأهل الباطل يبذلون كل قوتهم وكل ما يملكون من أساليب، يتفننون فيها بالايذاء والتعذيب، فإذا أخذوا الدعاة الله؛ فإنهم يبذلون كل ما في وسعهم لإيذائهم.

    يضعون الإنسان في زنزانة انفرادية، ثم تُغلق عليه الأبواب، ولا يخرج إلى دورة المياه إلا في أوقات مخصوصة... ويأتي لكي يخرج الإنسان إلى دورة المياه، لابد من احضار ضابط و "صول" و "شويش" [...] [3] وأربعة عساكر، وأمور مزعجة، ثم بعد ذلك نجد كل ما يملكون من وسائل التعذيب النفسي موجود، يبذلونه لإرهاب أهل الحق، لكن أهل الحق عليهم أن يستمسكوا بالحق الذي يؤمنون به، وأن يدعو الله أن يثبت أقدامهم، وأن يقوي جنابهم، فإن الله معهم يدافع عنهم.

    وهكذا نجد ما يبذله أهل الباطل لإيذاء القائمين بالحق؛ يبذلون كل قوتهم، فماذا نصنع؟ {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ}، فلابد من الصبر، ونقول كما قال رسل الله: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ}، نصبر على الإيذاء، ونصبر على التعذيب، ونصبر على السجن الإنفرادي، ونصبر على كل ما يتفنون به من إيذاء وتعذيب بالمسلمين، لابد أن نصبر، {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا}، لا نتزعزع، ولا نتزلزل، ولا نرجع، ولا نتأخر، إنما نتقدم بتوفيق الله ورحمته وفضله.

    فسورة غافر تبين؛ أن كل جدال في آيات الله، فهي محاولة لنشر الباطل، ولنشر الضلال والكذب؛ {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}، فإذا جادل أُناس في الصحافة أو في وسائل الإعلام عامة... إذا جادلوا ليحاولوا صرف الناس عن تطبيق الشريعة، هذا هو الجدال؛ {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ}.

    ووعد الله لا يتخلف، فسيأخذهم الله ويكون عقابه معهم شديداً، هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله، محاولين؛ أن يفهموا الناس أن الشريعة لا تطبق في هذه الأوقات، لأنها الشريعة لا تتناسب مع هذا العصر! بأساليبهم المختلفة الملتوية، يبين الله جزائهم ويُعَجب رسوله منهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ}، فهكذا يكون مصير الذين يجادلون في آيات الله: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ * فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ}، كما تستعذ من الشيطان: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.

    فهكذا تهتم سورة غافر بموضوع الجدال في آيات الله، وأن هؤلاء الذين يجادلون في تطبيق الشريعة، ويصورون تطبيقها؛ بأنها سقوط، ويقول "كتاب قبل السقوط" و "عند السقوط" و "بعد السقوط"... سقطوا في نار جهنم.

    وهكذا نجد كل من يجادل في آيات الله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}، إن هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله ويشككون الناس في أمر شريعة الإسلام، أولئك لا خلاق لهم، إنما هم يروجون للباطل، وسيأخذهم الله أخذاً في الدنيا، وماذا يكون جزائهم في الآخرة: {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ}.

    فيا أيها الاخوة...

    علينا أن نقرأ القرآن، ولننظر [...] [4] في قلوبنا، تبين لنا أن هؤلاء المجادلين لا نهتم لهم ولا نفكر في أمرهم، إن جدالهم ذاهب، لأنهم يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، والله يُبطل جدالهم ومكرهم وكيدهم، هؤلاء الذين يمكرون بالإسلام: {الَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ}.

    كذلك تأخذنا سورة غافر إلى آيات في الكون؛ {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً}، {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا}، {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ}، {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا}، {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ}... وهكذا تُطَوَّف بنا في الآفاق.

    كما ترينا أهوالاً بعد أهوال يوم القيامة، وما فيه من شدة، وهول قاس، يوم يبرز الناس في ساحة العرض والحساب: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ}، لا يخفى عن الله منهم شيء في الدنيا، ولا يخفى على الله منهم شيء في الآخرة، لكن أمر الآخرة يكون ظاهراً ولا يستطيع أحد أن يجادل فيه، فتسكت الأصوات، وتمتنع الحركات، وتلهج الأنفاس... وإذا بالجبارين المتكبرين قد صغروا وذلوا، وإذا الذين يجادلون في آيات الله أصبحوا أذلاء مهانين، ولا يتكلم أحد... وإذا بصوت ينطلق فيملء المكان كله: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ}، وإذا بالجواب: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.

    أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ أين الذين كانوا يعادون شريعة الإسلام؟ إنهم أذلاء، إنهم صاغرون، مهانون... فهكذا حينما ينطلق الصوت... صوت يملء الآفاق، إنه صوت مهيب عجيب، وهو ينادي: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ}، والجواب: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}، {أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ}، اليوم القريب الذي يأتيهم ويزحف عليهم، إنه "يوم الآزفة"، وقد بلغت القلوب الحناجر، {إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ}، أين الشفعاء؟ أين الأصدقاء؟ {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}.

    فالله سبحانه يعلم الدنيا ويعلم الآخرة، يعلم العين الخائنة، ويعلم أسرار الصدور، يعلم كل شيء؛ {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ}، فهل يستطيع أحد من هؤلاء الشركاء والأنداد والظالمين والطغاة والمتكبرين المتجبرين، هل يملك أحد منهم شيئاً؟ {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.

    أيها الإخوة...

    كونوا مع الحق، قولوا الحق وإن كان مراً، مروا بالمعروف، وانهو عن المنكر، وبينوا للناس عظمة الإسلام، لا تخافوا في الله لومة لائم، كونوا مع الحق، فإن الوجود كله معكم، حتى حملة العرش ومن حوله والملائكة معكم، والوجود كله يسبح بحمد الله ويقف مع أهل الحق، فلا تخافوا، {وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.

    ألا وصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم كما أمركم الله عز وجل إذ قال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والعصمة من كل ذنب، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضى إلا قضيتها يا أرحم الراحمين.

    اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فرد كيده في نحره، واشغله بنفسه، واجعل تدميره في تدبيره، وأنزل مقتك وغضبك عليه، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم ونستعين بك عليهم، فاكفناهم بما شئت، إنك على ما تشاء قدير، اللهم شتت شملهم، اللهم فرق جمعهم، اللهم اجعل الدائرة عليهم، اللهم احصهم عدداً، اللهم فرقهم بدداً، اللهم لا تبقي منهم أحداً.

    اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، واصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، واصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

    {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}.



    * أصل هذه المادة خطبة جمعة.

    [2] قطع في الشريط.

    [3] قطع في الشريط.

    [4] قطع في الشريط.

  • tawhed.ws | almaqdese.net | abu-qatada.com | mtj.tw
    * إننا - في منبر التوحيد و الجهاد - نحرص على نشر كل ما نراه نافعا من كتابات ، إلا أن نشر مادة " ما " لكاتب " ما " ، لا يعني بحال ؛ أن ذلك الكاتب يوافقنا في كل ما نقول ، و لا يعني ؛ أننا نوافقه في كل ما يقول في كتاباته الأخرى ، و الله الموفق لكل خير . * إننا - في منبر التوحيد والجهاد - لا ننشر إلا لكتّاب غلب عليهم الصلاح والصواب يوم نشرنا لهم، فإذا ما انحرفوا وغيروا و بدلوا -وغلب ذلك على كتاباتهم - توقفنا عن النشر لهم دون أن نزيل موادهم التي نشرناها من قبل وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين !